فصل: المفعول فيه

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك ***


المفعول المطلق‏:‏

المفاعيل خمسة‏:‏ مفعول به وقد تقدم‏,‏ ومفعول مطلق، ومفعول له‏,‏ وفيه‏,‏ ‏"‏ومفعول‏"‏ معه، وهذا أول الكلام على هذه الأربعة‏.‏

وبدأ بالمطلق، وسمي مطلقا؛ لأنه لم يقيد بأداة بخلاف غيره، فقال‏:‏

المصدر اسم ما سوى الزمان من‏.‏‏.‏‏.‏ مدلولَي الفعل كأمْنٍ مِنْ أَمِن

مدلولا الفعل‏:‏ هما الحدث والزمان، والمصدر هو اسم الحدث، وهو معنى قوله‏:‏ ‏"‏اسم ما سوى الزمان من مدلولي الفعل‏"‏‏.‏

فإن ما سوى الزمان من مدلوليه هو الحدث ‏"‏كأمن من أمن‏"‏‏.‏

قال‏:‏ ‏"‏أمن‏"‏ فعل يدل على حدث وزمان، والأمن اسم لذلك الحدث، فهو مصدر‏.‏

فإن قلت‏:‏ هل المفعول المطلق والمصدر مترادفان‏؟‏

قلت‏:‏ لا، بل بينهما عموم من وجه وخصوص من وجه‏.‏ فقد يكون المفعول ‏"‏المطلق‏"‏ غير مصدر‏,‏ بل ‏"‏جاريا‏"‏ مجراه كاسم المصدر والآلة‏,‏ وغير ذلك مما سيذكر‏.‏

وقد يكون المصدر غير مفعول مطلق نحو‏:‏ ‏"‏يعجبني ذهابك‏"‏‏.‏

ثم قال‏:‏

بمثله أو فعل أو وصف نُصب‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏

مثال نصبه، أي‏:‏ بمصدر، قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا‏}‏‏.‏

ومثال نصبه بفعل‏:‏ ‏{‏وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا‏}‏‏.‏

ومثال نصبه بوصف‏:‏ ‏{‏وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا‏}‏‏.‏

وينبغي أن يحمل قوله‏:‏ ‏"‏بمثله‏"‏ على المماثل في المعنى؛ ليشمل نحو‏:‏ ‏"‏يعجبني إيمانُك تصديقًا‏"‏‏.‏

ثم قال‏:‏

‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ وكونه أصلا لهذين انتُخب

أي‏:‏ وكون المصدر أصلا للفعل والوصف، هو المختار، فالفعل والوصف مشتقّانِ منه‏,‏ وهو مذهب البصريين‏,‏ وخالف بعضهم في الوصف فجعله مشتقا من الفعل‏,‏ فهو فرع الفرع‏.‏

ومذهب الكوفيين أن الفعل هو الأصل، والمصدر مشتق منه‏.‏

وزعم ابن طلحة أن الفعل والمصدر أصلان، وليس أحدهما مشتقا من الآخر‏.‏

والصحيح مذهب البصريين؛ لأن الفرع لا بد فيه من معنى الأصل وزيادة، والفعل يدل على الحدث والزمان‏"‏‏"‏‏.‏

ثم قال‏:‏

توكيدا أو نوعا يُبين أو عدد‏.‏‏.‏‏.‏ كُسرتُ سَيْرتين سَيْر ذي رَشَد

المصدر‏:‏ يؤتى به مع ناصبه ‏"‏لثلاث‏"‏ فوائد‏:‏

الأولى‏:‏ توكيده نحو‏:‏ ‏"‏سِرْتُ سيرا‏"‏ ويسمى المبهم‏.‏

والثانية‏:‏ بيان عدده نحو‏:‏ ‏"‏سرت سيرتين‏"‏ ويسمى المعدود‏.‏

والثالثة‏:‏ بيان نوعه‏,‏ ويسمى المختص‏.‏

واختصاصه إما بإضافة نحو‏:‏ ‏"‏سرت سير ذي رَشَد‏"‏‏,‏ وإما بنعت نحو‏:‏ ‏"‏سيرًا شديدًا‏"‏‏,‏ وإما ‏"‏بأل‏"‏ نحو‏:‏ ‏"‏سرت السير‏"‏ أي‏:‏ السير الذي تعرفه، كذا قسم بعضهم‏.‏

والظاهر أن المعدود مندرج تحت المختص‏,‏ كما فَعَلَ في التسهيل‏.‏

فالمصدر ‏"‏على هذا قسمان‏"‏‏:‏ مبهم ومختص‏.‏

والمختص قسمان‏:‏ معدود وغير معدود‏.‏

ثم قال‏:‏

وقد ينوب عنه ما عليه دل‏.‏‏.‏‏.‏ كجِدَّ كل الجد وافرح الجذَل

المصدر ضربان‏:‏ مؤكد ومبين كما سبق‏.‏

أما المؤكد‏,‏ فينوب عنه أحد ثلاثة أشياء‏:‏

الأول‏:‏ ‏"‏مرادفه‏"‏ نحو‏:‏ ‏"‏قعدت جلوسًا‏"‏‏.‏

وظاهر كلام المصنف أن نصبه بالفعل المذكور وهو مذهب المازني، ونقل عن الجمهور أن ناصبه فعل من لفظه مقدر‏.‏

الثاني‏:‏ ‏"‏ملاق‏"‏ في الاشتقاق نحو‏:‏ ‏{‏وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا‏}‏‏.‏

ذكره الشارح‏,‏ فعلى هذا ناصبه ‏"‏الفعل‏"‏ المذكور وهو مذهب المازني أيضا، ومذهب الجمهور أن ناصبه مقدر كما سبق‏.‏

وزعم ابن خروف أنه مذهب سيبويه، وفصل بعضهم بين المرادف نحو‏:‏

‏"‏قعدت جلوسًا‏"‏ فنصبه بالظاهر، وبين ‏"‏الملاقي‏"‏ نحو‏:‏ ‏"‏أنبتكم من الأرض نباتًا‏"‏ فنصبه بالمقدر وهو قول حسن‏.‏

والثالث‏:‏ اسم مصدر غير علم نحو‏:‏ ‏"‏اغتسلت غُسلا‏"‏‏.‏

وأما المبين‏,‏ فينوب عنه أحد ثلاثة عشر شيئا‏:‏

الأول‏:‏ نوع، نحو‏:‏ ‏"‏‏"‏رجع‏"‏ القهقرى‏"‏‏.‏

والثاني‏:‏ وصف، نحو‏:‏ ‏{‏وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا‏}‏‏.‏

ومذهب سيبويه في هذا ونحوه أنه حال‏.‏

والثالث‏:‏ ‏"‏هيئة‏"‏ نحو‏:‏ ‏"‏يموت الكافر ميتةَ سوء‏"‏‏.‏

والرابع‏:‏ آلة، نحو‏:‏ ‏"‏ضربته سوطا‏"‏‏,‏ وهو مطرد في ‏"‏آلة‏"‏ الفعل دون غيرها‏,‏ فلا يجوز‏:‏ ‏"‏ضربته خشبة‏"‏‏.‏

والخامس‏:‏ كل، نحو‏:‏ ‏{‏فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ‏}‏‏.‏

والسادس‏:‏ بعض، نحو‏:‏ ‏"‏ضربته بعض الضرب‏"‏‏.‏

والسابع‏:‏ ضمير، نحو‏:‏ ‏{‏لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ‏}‏‏.‏

والثامن‏:‏ اسم الإشارة، نحو‏:‏ ‏"‏ضربته ذلك الضرب‏"‏‏.‏

قال في شرح التسهيل‏:‏ ولا بد من جعل المصدر تابعا ‏"‏له‏"‏‏,‏ وظاهر كلام سيبويه أن ذلك لا يشترط‏.‏

والتاسع‏:‏ وقت، كقوله‏:‏

ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏

أي‏:‏ اغتماض ليلة أرمد‏,‏ وهو عكس‏:‏ ‏"‏فعلته طلوعَ الشمس‏"‏، إلا أنه قليل‏.‏

والعاشر‏:‏ ‏"‏ما‏"‏ الاستفهامية، نحو‏:‏ ‏"‏ما تضربُ زيدا‏"‏‏.‏

والحادي عشر‏:‏ ‏"‏ما‏"‏ الشرطية، نحو ‏"‏ما شئتَ فقم‏"‏‏.‏

ذكر هذه الأحد عشر في التسهيل‏.‏

والثاني عشر‏:‏ المرادف، نحو‏:‏ ‏"‏افرحِ الجذل‏"‏ والخلاف في ناصبه كما تقدم‏.‏

والثالث عشر‏:‏ العدد، نحو‏:‏ ‏"‏ضربته ثلاثين ضربة‏"‏‏.‏

وزاد بعض المتأخرين اسم المصدر العلم‏,‏ نحو‏:‏ ‏"‏بَرّ بَرَّه وفَجَر فجَارِ‏"‏‏,‏ وفي شرح التسهيل‏:‏ أن اسم المصدر ‏"‏العلم‏"‏ لا يستعمل مؤكدا ولا مبنيا‏.‏

ثم قال‏:‏

وما لتوكيد فَوَحِّدْ أبدا‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏

لأنه بمنزلة تكرير الفعل، والفعل لا يثنى ولا يجمع‏.‏

ثم قال‏:‏

‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ وثَنِّ واجمعْ غيره وأَفْرِدا

هو المختص معدودا كان‏,‏ أو غير معدود‏.‏

أما المعدود‏,‏ فلا خلاف في جواز تثنيته ‏"‏وجمعه‏"‏ قياسا‏.‏

وأما غيره من المختص‏,‏ ففي تثنيته وجمعه خلاف؛ منهم من قاسه لاختلاف أنواعه، ومنهم من لم يقسه وهو مذهب سيبويه‏.‏

ثم قال‏:‏

وحذف عامل المؤكد امتنع‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏

قال في شرح الكافية‏:‏ لأن المصدر ‏"‏المؤكد‏"‏ يقصد بتقوية عامله وتقرير معناه، وحذفه منافٍ لذلك وقد نُوزع في هذا‏.‏

ثم قال‏:‏

‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ وفي سواهُ لدليل متسع

لا خلاف في جواز حذف عامل المصدر المختص‏,‏ معدودا كان أو غير معدود‏,‏ إذا دل عليه دليل، نحو‏:‏ ‏"‏بلى ضربتين‏,‏ أو ضربا شديدا‏"‏ في جواب‏:‏ ‏"‏ما ضربت‏"‏‏؟‏

وقد يجب الحذف‏,‏ وذلك إذا كان المصدر بدلا من اللفظ بفعله، وقد نبه على ذلك بقوله‏:‏

والحذف حتم مع آتٍ بَدَلا‏.‏‏.‏‏.‏ من فِعْله كنَدْلا اللَّذْ كانْدُلا

أي‏:‏ وحذف العامل واجب مع المصدر ‏"‏آت‏"‏ بدلا من فعله‏,‏ كقول الشاعر‏:‏

على حين ألهى الناس جُلُّ أمورهم‏.‏‏.‏‏.‏ فندلًا زريق المال ندل الثعالب

فندلًا نائب عن أندل‏.‏

وإنما وجب حذف عامله؛ لئلا يجمع بين البدل والمبدل منه، يقال‏:‏ ندل الشيء، إذا اختطفه بسرعة‏.‏ ثم قال‏:‏

وما لتفصيل كإما مَنَّا‏.‏‏.‏‏.‏ عامله يحذف حيث عَنَّا

إذا قصد بالمصدر تفصيل عاقبة ما قبله‏,‏ وجب حذف عامله كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً‏}‏ أي‏:‏ فإما تمنون منا‏,‏ وإما تفادون فداء‏.‏

ثم قال‏:‏

كذا مكرَّر وذو حصر ورد‏.‏‏.‏‏.‏ نائب فعل لاسم عين استُند

إذا ناب المصدر عن خبر اسم عين بتكرير نحو‏:‏ ‏"‏زيد سيرًا سيرًا‏"‏‏,‏ أو حصر نحو‏:‏ ‏"‏إنما أنت سيرًا‏"‏ وجب حذف عامله‏,‏ وجعل التكرير عوضا من إظهاره وأقيم الحصر مقام التكرير‏.‏ فلو لم يكن مكررا ولا محصورا جاز الإضمار والإظهار، نحو‏:‏ ‏"‏زيد سيرًا وزيد يسير سيرًا‏"‏ احترز باسم العين، من اسم المعنى نحو‏:‏ ‏"‏أمرُك سير سير‏"‏‏,‏ فإن المصدر يرفع ويجعل خبره‏.‏

ثم قال‏:‏

ومنه ما يدعونه مؤكِّدا‏.‏‏.‏‏.‏ لنفسه أو غيره‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏

أي‏:‏ ومن الواجب حذف عامله، قسم يسميه النحويون مؤكدا‏,‏ وهو نوعان‏:‏

مؤكد لنفسه، وهو الواقع بعد جملة هي نص في معناه، وسمي بذلك لأنه بمنزلة ‏"‏إعادة‏"‏ الجملة، فكأنه نفسها‏.‏

ومؤكد لغيره‏:‏ وهو الواقع بعد جملة صائرة به نصا، وسمي بذلك لأنه أثر في الجملة فكأنه غيره؛ لأن المؤثِّر غير ‏"‏المؤثَّر‏"‏‏.‏

‏"‏فمثل‏"‏ ‏"‏المبتدأ‏"‏ به‏,‏ وهو المؤكد لنفسه بقوله‏:‏

نحو له عليَّ ألفٌ عُرْفًا‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏

أي‏:‏ اعترافًا‏.‏

ومثل ‏"‏والثان‏"‏ بقوله‏:‏

‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ كابني أنت حقا صِرْفا

ثم قال‏:‏

كذاك ذو التشبيه بعد جمله‏.‏‏.‏‏.‏ كلي بكًا بكاءَ ذات عُضْلَه

من الملتزم إضمار ناصبه المصدر المشبه به‏,‏ بخمسة شروط‏:‏

الأول‏:‏ أن يكون بعد جملة‏.‏

والثاني‏:‏ أن تكون حاوية معناه‏.‏

الثالث‏:‏ أن تكون ‏"‏حاوية فاعله‏"‏‏.‏

الرابع‏:‏ أن يكون ما اشتملت عليه الجملة غير صالح للعمل‏.‏

الخامس‏:‏ أن يكون المصدر مشعرا بالحدوث‏.‏

مثال ذلك قولهم‏:‏ ‏"‏له صوتٌ صوتَ حمار‏"‏ فهذا قد استوفى الشروط؛ لأن له صوت جملة، وقد اشتملت على معنى المصدر، وهو ‏"‏صوت‏"‏ وعلى فاعله‏,‏ وهو ‏"‏الهاء‏"‏ في ‏"‏له‏"‏‏,‏ ولا صلاحية في المصدر الذي اشتملت عليه للعمل؛ لأن ‏"‏شرط‏"‏ إعمال ‏"‏المصدر‏"‏ غير الواقع بدلا من أن يقدر بالفعل وحرف مصدري‏.‏

وقوله‏:‏ ‏"‏صوت حمار‏"‏ مشعر بالحدوث، فالناصب فعل واجب الإضمار، ومثله بقوله‏:‏ ‏"‏لي بكا بكاء ذت عضله‏"‏‏.‏

فلو ‏"‏كان‏"‏ بعد مفرد‏,‏ لم يجُز النصب نحو‏:‏ ‏"‏صوته صوت حمار‏"‏ ولو لم

‏"‏يشتمل‏"‏ على معنى المصدر لم يصحّ، ولو لم يشتمل على فاعله ضعف النصب نحو‏:‏ ‏"‏في الدار صوتٌ ‏"‏صوتُ‏"‏ حمار‏"‏ و‏"‏صراخ ‏"‏صراخ‏"‏ ‏"‏ثكلى‏"‏‏,‏ ولم يمتنع لأنك إذا قلت‏:‏ ‏"‏فيهما‏"‏ صوت علم أن فيها مصوتا ‏"‏صوت حمار‏"‏‏.‏

ولو كان ما اشتملت عليه صالحا للعمل نحو‏:‏ ‏"‏هو مصوت صوتَ حمار‏"‏‏,‏ فإنه ينتصب بمصوت لا بمحذوف، ولو لم يكن المصدر مشعرا بالحدوث لم ينصب نحو‏:‏ ‏"‏له ذكاءٌ ذكاءُ الحكماء‏"‏‏.‏

لأن صوتا ونحوه، إنما انتُصب لكون ما قبله بمنزلة يفعل‏,‏ مسندا إلى فاعل‏.‏ فقولك‏:‏ ‏"‏له صوت‏"‏ بمنزلة ‏"‏يصوت‏"‏، وليس قولك‏:‏ ‏"‏له ذكاء‏"‏ بمنزلة ‏"‏هو يفعل‏"‏‏,‏ وإنما ‏"‏أخبرت‏"‏ بأنه ذو ذكاء‏,‏ ‏"‏فتنزل‏"‏ ذلك منزلة قولك‏:‏ ‏"‏له يدٌ يدُ أسد‏"‏ والله أعلم‏.‏

المفعول له‏:‏

يُنصب مفعولا له المصدر إن‏.‏‏.‏‏.‏ أبان تعليلا ‏"‏كجُدْ شُكرًا وَدِن

‏"‏المفعول‏"‏ له‏:‏ هو علة الفعل، ولجواز نصبه شروط‏:‏

الأول‏:‏ أن يكون مصدرا‏.‏

والثاني‏:‏ أن يتحد وقته ووقت عامله، وهو المعلل به‏.‏

والثالث‏:‏ أن يتحد فاعلهما‏,‏ ولو تقديرا‏.‏

فمثال ما استوفى الشروط‏:‏ ‏"‏ضربته تأديبًا‏"‏ و‏"‏جُدْ شكرًا‏"‏‏.‏

ومثال اتحاد فاعلهما تقديرا‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا‏}‏ ؛ لأن معنى يريكم‏:‏ يجعلكم ترون‏.‏

وفي بعض هذه الشروط خلاف‏.‏ ثم قال‏:‏

وإن شرطٌ فُقد‏.‏‏.‏‏.‏ فاجررْه باللام

أي‏:‏ إذا فقد شرط من الشروط الثلاثة‏,‏ وجب جر ما علل به الحرف الدال على التعليل، وهو اللام أو ما يقوم مقامها وهو ‏"‏من و‏"‏في‏"‏ والباء‏"‏‏,‏ فتقول‏:‏ ‏"‏جئت للمال‏"‏؛ لأنه ليس بمصدر، و‏"‏جئت أمس لإكرامك غدًا‏"‏ لاختلاف الزمان‏,‏ و‏"‏أحسنت إليك لإحسانك إليَّ‏"‏؛ لاختلاف الفاعل‏.‏

وقوله‏:‏

وليس يَمتنع‏.‏‏.‏‏.‏ مع الشروط

يعني‏:‏ أنه لا يمتنع جره بالحرف مع استيفائه للشروط نحو‏:‏ ‏"‏قنع هذا للزهد‏"‏‏,‏ ‏"‏فإن هذه الشروط‏"‏ ليس اجتماعها موجبا للنصب‏,‏ بل مسوغ له‏.‏

ثم هو بعد ذلك على ثلاث مراتب‏:‏ راجح النصب، وراجح الجر، ومستوٍ فيه الأمران‏.‏

فأشار إلى الأول بقوله‏:‏

وقلّ أن يصحبها المجرد

يعني‏:‏ أن المجرد من أل والإضافة يترجح نصبه، وقل أن يصحب الحرف‏,‏ فقوله‏:‏ ‏"‏ضربته تأديبًا‏"‏ أرجح من قولك‏:‏ ‏"‏‏"‏ضربته‏"‏ ‏"‏لتأديب‏"‏‏"‏ ومنع الجزولي جر المجرد‏.‏ قيل‏:‏ ولم يقل به غيره‏.‏

وأشار إلى الثاني بقوله‏:‏

والعكس في مصحوب أل

يعني‏:‏ أن الأرجح في مصحوب ‏"‏أل‏"‏ جره بالحرف‏,‏ فقولك‏:‏ ‏"‏ضربته للتأديب‏"‏ أرجح من قولك‏:‏ ‏"‏‏"‏ضربته‏"‏ التأديب‏"‏‏.‏

ثم ذكر شاهد نصب مصحوب ‏"‏أل‏"‏ من كلام العرب‏,‏ فقال‏:‏

لا أقعدُ الجبنَ عن الهَيْجَاء‏.‏‏.‏‏.‏ ولو توالت زُمَر الأعداء

وسكت عن المضاف فلم يعزُه إلى راجح النصب‏,‏ ولا إلى راجح الجر‏.‏

فعلم أنه يستوي فيه الأمران نحو‏:‏ ‏"‏جئتُكَ ابتغاءَ الخيرِ، ولابتغاءِ الخيرِ‏"‏‏.‏

تنبيه‏:‏

إذا دخلت ‏"‏أل‏"‏ على المفعول له، أو أُضيف إلى معرفة تَعَرَّفَ ‏"‏بأل‏"‏ ‏"‏أ‏"‏‏,‏ وبالإضافة خلافا للرياشي والجرمي والمبرد في قولهم‏:‏ إنه لا يكون إلا نكرة وإن ‏"‏أل‏"‏ فيه زائدة، وإضافته غير محضة‏.‏

فإن قلت‏:‏ هل يجوز تقديم المفعول له على عامله‏؟‏

قلت‏:‏ هو جائز سواء كان منصوبا‏,‏ أو مجرورا‏.‏

وهو مستفاد من قوله‏:‏ كلزهد ذا قنع‏,‏ فمثل به ‏"‏مقدما‏"‏، والله أعلم‏.‏

المفعول فيه

وهو المسمى ظرفًا، قال‏:‏ الظرف‏:‏ وقت أو مكان ضُمِّنا‏.‏‏.‏‏.‏ في باطِّراد‏:‏ كهُنا امكثْ أزمُنا

‏"‏وقت أو مكان‏"‏ جنس ‏"‏ضمن‏"‏ مخرج لوقت أو مكان لم يضمن معناه نحو‏:‏ ‏"‏يومنا يوم مبارك‏"‏‏,‏ و‏"‏نحن في مكان حسن‏"‏‏.‏

‏"‏ثم قال‏"‏‏:‏ ‏"‏باطراد‏"‏؛ احترازا مما نصب بدخل من المكان المختص نحو‏:‏ ‏"‏دخلت الدار‏"‏ فهو منصوب نصب المفعول به بعد إسقاط الخافض توسعا، لا نصب الظرف، إذ لو كان ظرفا لم يختص بدخل؛ لأن ‏"‏الظرف‏"‏ لا يختص بعامل دون عامل‏.‏

بل الظرف غير المشتق من اسم الحدث‏,‏ يتعدى إليه كل فعل‏.‏

قال الشارح‏:‏ وإذا كان كذلك‏,‏ فلا حاجة إلى الاحتراز ‏"‏عنه‏"‏ بقيد الاطراد؛ لأنه يخرج بقولنا‏:‏ ‏"‏مضمن معنى في‏"‏ ا‏.‏ هـ‏.‏

قلت‏:‏ وفي نصب المختص من المكان بعد دَخَلَ ثلاثة مذاهب‏:‏

أحدها‏:‏ أنه منصوب نصب المفعول به بعد إسقاط الخافض توسعا كما سبق، وهو مذهب الفارسي والمصنف، ونسبه إلى سيبويه‏.‏

والثاني‏:‏ أنه منصوب على الظرفية تشبيها له بالمبهم‏,‏ ونسبه الشلوبين إلى ‏"‏سيبويه ونسب‏"‏ إلى الجمهور‏.‏

والثالث‏:‏ أنه مفعول به ودخل‏,‏ تارة يتعدى بنفسه وتارة بحرف الجر، وهو مذهب الأخفش‏"‏‏"‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏"‏كهنا‏"‏ مثال لظرف المكان‏,‏ ‏"‏وأزمنا‏"‏ مثال لظرف الزمان‏.‏

ثم قال‏:‏

فانصبه بالواقع فيه مُظْهَرا‏.‏‏.‏‏.‏ كان وإلا فانْوِهِ مقدَّرا

يعني‏:‏ أن حكم الظرف النصب، وأن الناصب له هو الواقع فيه من فعل أو ما ‏"‏في‏"‏ معناه‏,‏ وأن الناصب له يكون ظاهرا نحو‏:‏ ‏"‏جلست أمام المسجد‏"‏ و‏"‏سرت يومَ الخميس‏"‏‏,‏ وقد يكون مقدرا إما جوازا نحو‏:‏ ‏"‏يوم الجمعة‏"‏ لمن قال‏:‏ ‏"‏متى قدمتَ‏؟‏‏"‏‏.‏

وإما وجوبا كالواقع خبرا أو صفة أو حالا أو صلة‏.‏

ثم قال‏:‏

وكلّ وقت قابل ذاك‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏

يعني‏:‏ أن جميع أسماء الزمان قابلة للظرفية؛ مبهمها ومختصها‏.‏

وأما المعدود فهو من المختص‏,‏ خلافا لمن جعله قسما ثالثا‏.‏

فالمبهم‏:‏ ما دل على قدر من الزمان غير معين كحين، والمختص بالمحدود‏:‏ ما له مقدار من الزمان معلوم نحو‏:‏ ‏"‏يومين‏"‏‏.‏

والمختص غير المعدود‏:‏ كأعلام الأيام‏,‏ وما اختص ‏"‏بأل‏"‏ أو بالصفة أو بالإضافة، ثم قال‏:‏

‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ وما‏.‏‏.‏‏.‏ يقبله المكان إلا مبهما

يعني‏:‏ أن أسماء المكان لا تقبل الظرفية إلا إذا كانت مبهمة، فإن كانت مختصة لم تقبل الظرفية نحو‏:‏ ‏"‏الدار‏"‏ و‏"‏المسجد‏"‏‏.‏

ثم قال‏:‏

نحوُ الجهات والمقادير، وما‏.‏‏.‏‏.‏ صِيغَ من الفعل كمرمَى مِن رَمَى

فمثّل المبهم بثلاثة أنواع‏:‏

الجهات‏:‏ نحو‏:‏ خلف ‏"‏وقُدَّام‏"‏ وأمام‏.‏

والمقادير‏:‏ نحو‏:‏ ‏"‏ميل‏"‏ و‏"‏فرسخ‏"‏‏.‏

وما صيغ من اسم الحدث نحو‏:‏ ‏"‏مرمى ومذهب‏"‏‏.‏

فظاهره أن هذه الثلاثة أنواع للمبهم‏,‏ أما الجهات فلا إشكال في أنها مبهمة‏.‏

وأما المقادير فظاهر كلام الفارسي أنها داخلة تحت المبهم، وصححه بعض النحويين‏.‏

وقال الشلوبين‏:‏ ليست داخلة تحته، وصحح بعضهم ‏"‏أنها شبيهة‏"‏ بالمبهم‏,‏ لا مبهم‏.‏

وأما ما صيغ من ‏"‏اسم‏"‏ الحدث، فالظاهر أنه من المختص‏,‏ لا من المبهم كما نص عليه غيره، وهو ظاهر كلامه في شرح الكافية‏.‏

قال فيه‏:‏ وأما المكان فلا يكون من أسمائه ‏"‏ظرفا‏"‏ صناعيا إلا ما كان مبهما أو مشتقا من اسم الحدث ا‏.‏ هـ‏.‏ فجعله قسيمه‏.‏

قلت‏:‏ وقد قسم المصنف المصدر إلى مبهم ومختص، وصرح بأن المعدود من المختص‏,‏ وقياسه أن يجعل المعدود في الظرف من المختص أيضا‏.‏

فإن قلت‏:‏ ما يعنى بالفعل في قوله‏:‏ ‏"‏وما صيغ من الفعل‏"‏‏؟‏

قلت‏:‏ ظاهر كلامه أنه الفعل الصناعي؛ لقوله‏:‏ ‏"‏كمرمى من رمى‏"‏ وليس ذلك بجيد؛ لأنه لم يصغ من الفعل وإنما صيغ من المصدر‏,‏ ‏"‏وإن‏"‏ حمل على الفعل اللغوي وهو المصدر ‏"‏فهو صحيح‏"‏‏,‏ ‏"‏لولا‏"‏ ‏"‏أن‏"‏ قوله‏:‏ ‏"‏من رمى‏"‏ يبعده‏.‏

ثم قال‏:‏

وشرط كون ذا مَقِيسا أن يقع‏.‏‏.‏‏.‏ ظرفا لما في أصله معه اجتمع

الإشارة إلى ما اشتق من اسم الحدث‏,‏ يعني‏:‏ أن هذا النوع لا يكون ظرفا مقيسا إلا إذا كان العامل فيه موافقا له في الاشتقاق نحو‏:‏ ‏"‏رميت مرمى زيد‏"‏، ‏"‏وقعدت مقعده‏"‏‏,‏ ‏"‏فلذا‏"‏ عد من الشواذ قولهم‏:‏ ‏"‏هو مني مقعد القابلة‏"‏ ونحوه‏.‏

وتقدير قوله‏:‏ ‏"‏لما في أصله معه اجتمع‏"‏ مع الظرف في أصله‏,‏ وهو اسم الحدث‏.‏

فإن قلت‏:‏ يخرج من كلامه نحو‏:‏ ‏"‏سرني ‏"‏جلوسي‏"‏ مجلسك‏"‏؛ لأن العامل فيه أصله لا شيء اجتمع معه في أصله‏.‏

قلت‏:‏ هذا‏,‏ وإن لم تشمله عبارته فقد ‏"‏تقرر‏"‏ أن المصدر يعمل عمل فعله‏.‏

ثم قال‏:‏

وما يرى ظرفا وغير ظرف‏.‏‏.‏‏.‏ فذاك ذو تصرف في العرف

كلٌّ من ظرف الزمان وظرف المكان ‏"‏قسمان‏"‏‏:‏ متصرف وغير متصرف‏:‏

فالمتصرف‏:‏ ما لا يلزم‏,‏ بل يستعمل ظرفا تارة وغير ظرف أخرى نحو‏:‏ ‏"‏يوم وليلة‏"‏ من الزمان، و‏"‏يمين وشمال‏"‏ من المكان‏.‏

وغير المتصرف‏:‏ ما لا يخرج عن الظرفية أصلا ‏"‏كقَطّ‏"‏ و‏"‏عَوْض‏"‏‏,‏ أو لا يخرج عنها إلا ‏"‏إلى‏"‏ ‏"‏شبهها‏"‏‏.‏

والمراد بشبه الظرفية الجر ‏"‏بمن‏"‏‏.‏

وإنما يثبت تصرف الظرف بالإخبار عنه والجر بغير ‏"‏من‏"‏ ‏"‏في الاختيار‏"‏؛ لأن ‏"‏من‏"‏ كثرت زيادتها فلم يعتد بها‏.‏

فلذلك حكم على ‏"‏قبلُ وبعدُ وعندَ ولدُن‏"‏ بعدم التصرف مع ‏"‏أنها تجر‏"‏ بمن‏.‏ وإلى هذا أشار بقوله‏:‏

وغير ذي التصرف‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏

البيت

ثم قال‏:‏

وقد ينوب عن مكان مصدر‏.‏‏.‏‏.‏ وذاك في ظرف الزمان يكثر

نيابة المصدر عن الظرف من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وشرط ‏"‏ذلك‏"‏ إفهام تعيين ‏"‏وقت‏"‏ أو مقدار، وذلك قليل في المكان كقولهم‏:‏ ‏"‏جلست قرب زيد، وقصده‏"‏ أي‏:‏ مكان قربه‏,‏ ومكان قصده‏.‏

وكثير في الزمان نحو‏:‏ ‏"‏كان‏"‏ ذلك ‏"‏خفوق‏"‏ النجم، و‏"‏طلوع الثريا‏"‏ أي‏:‏ وقت خفوق النجم، ووقت طلوع الثريا‏.‏

وكثرته تقتضي القياس عليه‏.‏

المفعول معه

قال‏:‏ يُنصَب تالي الواو مفعولا معه‏.‏‏.‏‏.‏ في نحو سيري والطريق مسرعه

المفعول معه‏:‏ هو الاسم المنصوب بعد ‏"‏واو بمعنى‏"‏ مع، نحو‏:‏ ‏"‏سيري والطريقَ‏"‏ أي‏:‏ مع الطريق‏.‏

وهذا الباب مقيس على الأصح، وقد فهم ذلك من قوله‏:‏ ‏"‏نحو‏"‏‏.‏

ثم قال‏:‏ بما من الفعل وشَبَهه سبق‏.‏‏.‏‏.‏ ذا النصب لا بالواو في القول الأحقّ

ناصب المفعول معه‏:‏ إما فعل نحو‏:‏ ‏"‏استوى الماءُ والخشبةَ‏"‏‏,‏ وإما اسم يشبهه نحو‏:‏ ‏"‏زيد سائرٌ والطريقَ‏"‏‏.‏

ومذهب سيبويه أنه لا يعمل فيه العامل المعنوي كاسم الإشارة وحرف التشبيه والظرف المخبر به‏.‏

وأجاز أبو علي في قول الشاعر‏:‏

‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ هذا ردائي مطويا وسربالا

أن يكون العامل فيه هذا‏.‏

وذهب الجرجاني إلى أن ناصبه الواو نفسها؛ لاختصاصها بالاسم، ورُد بأنها لو كانت ناصبة، لاتصل الضمير بها‏.‏

ولم يشترط ‏"‏تقديم‏"‏ فعل أو شبهه، وإليه أشار بقوله‏:‏ ‏"‏بالواو‏"‏‏,‏ وفهم من قوله‏:‏ ‏"‏سَبَق‏"‏ أن المفعول معه لا يتقدم على عامله‏,‏ ‏"‏وهذا‏"‏ متفق عليه‏.‏

وأما تقديمه على مصاحبه نحو‏:‏ ‏"‏استوى والخشبةَ الماءُ‏"‏ فمذهب الجمهور، والصحيح منعه، وأجازه ابن جني‏.‏

ثم قال‏:‏

وبعد ‏"‏ما‏"‏ استفهام أو ‏"‏كيف‏"‏ نصب‏.‏‏.‏‏.‏ بفعل كون مضمر بعض العرب

من كلامهم‏:‏ ‏"‏كيف أنت‏,‏ وقصعة من ثريد‏"‏ و‏"‏ما أنت وزيدٌ‏"‏ برفع ما بعد الواو على أنها العاطفة، وبعضهم ينصب على أنها التي للمعية وما قبلها مرفوع بفعل مضمر هو الناصب لما بعدها، تقديره‏:‏ كيف يكون‏؟‏ وما يكون‏؟‏ والصحيح أن ‏"‏كان‏"‏ المقدرة ناقصة، وكيف خبر مقدم، وكذلك ‏"‏ما‏"‏‏.‏ واعلم أن الصالح؛ لكونه مفعولا معه على ثلاثة أقسام‏:‏

قسم‏:‏ يجوز فيه العطف والنصب على المعية، والعطف أرجح‏.‏

وقسم‏:‏ يجوز فيه الأمران‏,‏ والنصب على المعية أرجح‏.‏

وقسم‏:‏ يمنع فيه العطف‏.‏

فالأول‏:‏ ‏"‏هو‏"‏ ما أمكن فيه العطف بلا ضعف من جهة اللفظ، ولا من جهة المعنى نحو‏:‏ ‏"‏قمت أنا وزيد‏"‏ وإن شئت نصبت‏.‏

والثاني‏:‏ ما لا يمكن فيه العطف إلا بضعف من جهة اللفظ نحو‏:‏ ‏"‏قمت وزيد‏"‏؛ لأن العطف على الضمير المرفوع المتصل بغير توكيد أو فصل ضعيف، أو من جهة المعنى كقولهم‏:‏ ‏"‏لو تركتَ الناقةَ وفصيلَها لرضعَها‏"‏‏,‏ فإن العطف فيه ممكن على تقدير‏:‏ لو تركت الناقة ترأَمُ فصيلها وترك فصيلها لرضاعها لرضعه‏.‏

هذا تكلف وتكثير عبارة، فهو ‏"‏ضعيف‏"‏‏,‏ والوجه النصب على معنى‏:‏ لو تركت الناقة مع فصيلها‏.‏

والثالث‏:‏ ‏"‏هو‏"‏ ما لا يمكن فيه العطف لمانع لفظي نحو‏:‏ ‏"‏ما لك وزيدًا‏؟‏‏"‏ فإن العطف على الضمير المجرور بغير إعادة الجار ممتنع عند الجمهور‏,‏ أو معنوي نحو‏:‏ ‏"‏سرت والجبل‏"‏ مما لا يصلح للمشاركة‏.‏

فهذا ونحوه يجب فيه النصب على المعية، ويمتنع ‏"‏فيه‏"‏ العطف‏.‏

وقد أشار إلى الأول بقوله‏:‏

والعطف إن يمكن بلا ضعف أحق‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏

وإلى الثاني بقوله‏:‏

‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ والنصب مختار لدى ضعف النَّسَق

وإلى الثالث بقوله‏:‏

والنصب إن لم يجُز العطف يجب‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏

وأما قوله‏:‏

‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ أو اعتقد إضمار عامل تُصِب

فيحتمل وجهين‏:‏ أحدهما‏:‏ أن يكون ‏"‏تخييرا‏"‏ فيما امتنع عطفه بين نصبه على المعية وبين إضمار عامل، حيث يصح إضماره‏,‏ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ‏}‏‏.‏

فإنه لا يصح جعله معطوفا؛ لأن أجمع بمعنى عزم‏,‏ ‏"‏فلا‏"‏ ينصب ‏"‏إلا‏"‏ الأمر والكيد ونحوهما‏.‏

ولك أن تجعل ‏"‏شركاءكم‏"‏ مفعولا معه، و‏"‏لك‏"‏ أن تجعله مفعولا به بفعل مقدر‏.‏

تقديره‏:‏ وأجمعوا من جمع؛ لأن جمع بمعنى ضم المتفرق، فينصب الشركاء ونحوه‏.‏

وقد حكي أن أجمع بمعنى جمع‏,‏ فعلى هذا يصح العطف‏.‏

والثاني‏:‏ أن يكون تنويعا‏.‏

والمعنى‏:‏ أن ما امتنع فيه العطف نوعان‏:‏ نوع يجب فيه النصب على المعية، ونوع يضمر له عامل؛ لأن المعية فيه أيضا ممتنعة كقوله‏:‏

علفتُهَا تبنا وماء باردا‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏

فماء منصوب بفعل مضمر تقديره‏:‏ ‏"‏سقيتها ماء‏"‏‏,‏ ولا يجوز عطفه لعدم المشاركة ولا نصبه على المعية لعدم المصاحبة‏.‏

ويجوز أن يجعل ‏"‏قوله‏"‏‏:‏ ‏"‏أو اعتقد إضمار عامل‏"‏ شاملا للناصب كما مثلنا به‏.‏

وللجار كقولك‏:‏ ‏"‏ما لك وزيد‏؟‏‏"‏ فيجوز جره لا بالعطف بل بإضمار الجار، كما نص عليه في شرح الكافية‏,‏ وكلامه فيه يؤيد هذا الاحتمال ‏"‏والله أعلم‏"‏‏.‏